الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

رسالة الطيف للمنشئ 33

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

سمحت بالنّفس جزاء له * إذ لا يؤدي حقّه الشّكر « 1 » وأنا في أثناء ذلك على مثل حرّ النار من طول الترقب والانتظار ، استنشق ريّا الوصل من جهته ، وأتطلع إلى قدومه وأوبته ، فإذا به قد عاد تاعسا جدّه ، خائبا قصده ، مفلولا جدّه ، كابيا زنده ، باديا وجومه زائدة همومه متجهمة أسرّته ، نائية مسرته ، قد عبس وجهه ، وأثجه عبوسه / [ 19 / أ ] وشمسه غائبة وغابت شموسه وخبت نار نشاطه وانقبض بعد انبساطه : ودمعه تجرى على صحن خدّه * ونار الأسى تذكّي بأضلعه جمرا وقد صعّدت أنفاسه عبراته * فمقلته عبرى ومهجته حرّى قلت : إيه ما الخبر ؟ وأين النجوم والقمر ؟ وما فعلت الشموس المشرقة الأنوار ؟ ومتى يحصل اللقاء ويدنو المزار ؟ وما هذا الوجوم الذي اعتراك والهم الذي أراك به على ما

--> ( 1 ) ما أن وصل الخبر إليه حتى كاد يطير فرحا ولم يتمالك طربا فأعاد رسوله إليه وأوصاه بحسن الإحسان إليه والتقدم بين يديه واختصار الطريق عليه وحذره من التأني أو التأخير لأن صبره لا يطيق التأجيل فهذا خبر لا يحتمل التمهيل وأمر يقتض التعجيل فهو غاية المأمول والمراد أن يزوره في بيته خير من زار وأحب من أحب به تنير الحياة وتستقيم الأمور وتعتدل الأحوال وينصلح الحال ويهدأ البال ، وذهب ينشد الشعر في عفوه عما سلف من قسوة الأيام وما لاقاه منها من شدة وألم على بعد الحبيب ، فقد جادت عليه بعد ذلك بما يجعله ينسى لها ما أسلفت من تلك القسوة هذا له من ناحية الأيام والدهر أما من ناحية الحبيب المقاطع الجافي الهاجر الذي بادر بالوصال والعودة بعد الغياب والقرب بعد البعاد ، والإقبال بعد الصدود والأعراض فإنه إن وفّى له بهذا وبات عنده الليلة فلا يجد ما يكافئه به أقل من بذل روحه إليه فإن أي شكر دون ذلك يراه أنه لا يوفيه ولا يكافئه فقد منّ عليه بما لم يكن يظنه يعود ، ولا إليه كان يتطلع ، فهو لهذا يرى أن أقل حقوقه إنما هو بذل روحه له فمهما طلب فطلبه مجاب فلمن يستجيب إن لم يجب أحب الأحباب . ومعلوم أن من زاره حبه تكون حاله غير كل حال فأنت تراه قائما قاعدا واقفا ماشيا ساكتا متكلما ، فهو يتصرف بغير ما دراية أو غير ما إرادة ، إذ هو حريص كل الحرص على إرضائه ، خائف كل الخوف من جفائه جاهدا في إصغائه متأملا لحركاته وسكناته قاصدا إليه بقلبه وقالبه بفكرة وناظره وسمعه وجسمه متمنيا إشارة منه إليه ليجعلها فور نطقه بها أو إشارته بين يديه مهما كلفه ذلك من الجهد أو العناء أو مغاضبة الآخرين المهم أن يرضى المحبوب ويوفى له بالمطلوب ، فإن قدر على قضاء مراده كان ساعيا جديا فيما لم يطلب ليدخل السرور عليه ، وتراه ماثلا بين يديه ألين من الحرير وأطوع من الخادم الذليل فهو يجد في هذا التعب راحة وفي تلك المشقة لذة لا تعد لها لذة .